محمد رأفت سعيد
229
تاريخ نزول القرآن الكريم
لا يبقى مجال للنسيان ، والغفلة فالتذكير والتفضيل يأخذ باللب من كل جانب ليدرك الإنسان موقعه ولتصحّح النفس من حالها ، ولترتقى في شأنها حتى يكون صاحبها من أصحاب الوجوه الناضرة . فالمقسم به في السورة الكريمة على ما أجمع عليه المفسرون يوم القيامة والنفس اللوامة ، وإقسامه سبحانه بيوم القيامة لتعظيمه وتفخيمه ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته ، وأقسم سبحانه بالنفس اللوامة كما أقسم بيوم القيامة . والنفس اللوامة هي التي تلوم صاحبها على تقصيره ، أو تلوم جميع النفوس على تقصيرها . قال الحسن : هي والله نفس المؤمن لا يرى المؤمن إلا يلوم نفسه : ما أردت بكذا ما أردت بكذا ، والفاجر لا يعاتب نفسه ، قال مجاهد : هي التي تلوم على ما فات وتندم ، فتلوم نفسها على الشر لم لم تعمله ؟ وعلى الخير لم لم تستكثر منه ؟ قال الفراء : ليس من نفس برّة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرا قالت : هلا ازددت ، وإن كانت عملت سوءا قالت : ليتني لم أفعل « 1 » . وعلى ذلك « فلا أقسم » بمعنى أقسم وهذا ما ذكره أبو عبيدة وجماعة من المفسرين وقال السمرقندي : أجمع المفسرون أن معنى لا أقسم : أقسم واختلفوا في تفسير لا ، فقال بعضهم : هي زائدة وزيادتها جارية في كلام العرب كما في قوله تعالى : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [ الأعراف : 12 ] - يعنى أن تسجد - وقوله تعالى : لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [ الحديد : 29 ] . وقال بعضهم : هي ردّ لكلامهم حيث أنكروا البعث كأنه قال : ليس الأمر كما ذكرتم أقسم بيوم القيامة ، وهذا قول الفراء وكثير من النحويين وقيل : هي للنفي ، لكن لا لنفى الإقسام بل لنفى ما ينبئ عنه من إعظام المقسم به وتفخيمه ، كأن معنى لا أقسم بكذا : لا أعظمه بإقسامه به حق إعظامه ، فإنه حقيق بأكثر من ذلك ، وقيل : إنها لنفى الإقسام لوضوح الأمر . ويرى الشوكاني رحمه الله ترجيح القول الأول « 1 » . فالقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة وذكر الاثنين في موضع واحد يحرك النفس الإنسانية ؛ كي تعرف موقعها في هذا اليوم وصلتها به وإعدادها له ، وتجنب ما يعكر صفوها ونضارتها في هذا اليوم .
--> ( 1 ) فتح القدير 5 / 335 .